ابن الجوزي
237
صيد الخاطر
تعرضه بالدنيا وقد دفعته عنها يضعف القوى ويضعف الرأي . وهل بقي لابن ستين منزل ؟ فان طمع في السبعين فإنما يرتقي إليها بعناء شديد ، ان قام دفع الأرض ، وان مشى لهث ، وان قعد تنفس . ويرى شهوات الدنيا ولا يقدر على تناولها . فان أكل كد المعدة ، وصعّب الهضم وان وطئ آذى المرأة ، ووقع دنفا لا يقدر على رد ما ذهب من القوة إلى مدة طويلة . فهو يعيش عيش الأسير . فان طمع في الثمانين فهو يزحف إليها زحف الصغير : وعشر الثمانين من خاضها * فان للممات فيها فنون فالعاقل من فهم مقادير الزمان . فإنه فيما قيل : قبل البلوغ صبي ليس على عمره عيار ، الا أن يرزق فطنة ففي بعض الصبيان فطنة تحثهم من الصغر على اكتساب المكارم والعلوم . فإذا بلغ فليعلم أنه زمان المجاهدة للهوى وتعلم العلم . فإذا رزق الأولاد فهو زمان الكسب للمعاملة . فإذا بلغ الأربعين انتهى تمامه ، وقضى مناسك الأجل ، ولم يبق الا الانحدار إلى الوطن : كأن الفتى يرقى من العمر سلما * إلى أن يجوز الأربعين وينحطّا فينبغي له عند تمام الأربعين أن يجعل جل همته التزود للآخرة . ويكون كل تلمحه لما بين يديه ، ويأخذ في الاستعداد للرحيل . وان كان الخطاب بهذا لابن عشرين ، الا أن رجاء التدارك في حق الصغير لا في حق الكبير . فإذا بلغ الستين فقد أعذر اللّه اليه في الأجل وجاز من الزمن ، فليقبل بكليته إلى جمع زاده ، وتهيئ آلات السفر ، وليعتقد كل يوم يحيا فيه لغنيمة ما هي في الحساب . خصوصا إذا قوي عليه الضعف وزاد ، فإنه لا محرك كهو « 1 » ، وكلما علت سنه فينبغي أن يزيد اجتهاده . فإذا دخل في عشر الثمانين فليس الا الوداع . وما بقي بمكة « 2 » . العمر تجارة الأنفس . أسف على تفريط أو تعبّد على ضعف . نسأل اللّه عز وجل يقظة تامة تصرف عنا رقاد الغفلات ، وعملا صالحا نأمن معه من الندم يوم الانتقال . واللّه الموفق .
--> ( 1 ) هكذا بالأصل . ( 2 ) نقص في الكلام ، والتقدير وما بقي بمكة الا منقطع .